تُعد محمية باكايا ساميريا الوطنية واحدة من أكبر المناطق الطبيعية المحمية في بيرو، وتقع في منطقة لوريتو الأمازونية. تبلغ مساحتها نحو 2,080,000 هكتار، وتضم غابات مطيرة استوائية وأنهارًا متعرجة وأراضي رطبة وبحيرات هادئة تعكس مياهها الغطاء النباتي الكثيف. وقد أكسبتها هذه الانعكاسات لقب «غابة المرايا».
تقع المحمية ضمن حوض الأمازون بالقرب من نهري مارانيون وأوكايالي، اللذين يلتقيان ليشكلا نهر الأمازون. وتغمر المياه أجزاء واسعة من المنطقة بصورة موسمية، فتحوّل الغابة إلى شبكة من الممرات المائية. وقد تكيفت النباتات والحيوانات مع هذه الفيضانات المتكررة، وتؤدي المحمية دورًا مهمًا في حماية النظم البيئية الأمازونية والتنوع الحيوي الإقليمي.
طبيعة فريدة وتنوع حيوي غني
تشتهر باكايا ساميريا بتنوعها الكبير من النباتات والحيوانات. ووفقًا لهيئة المناطق المحمية في بيرو، تضم المحمية أكثر من ألف نوع من الفقاريات، ومئات الأنواع من الطيور والأسماك والبرمائيات والزواحف، إضافة إلى أنواع عديدة من النباتات البرية. وهذا التنوع يجعلها من أبرز الوجهات في البلاد لمراقبة الحياة البرية.
تعيش في الأنهار والبحيرات دلافين الأمازون النهرية، ومنها الدلافين الوردية، إضافة إلى الكيمن والسلاحف المعروفة باسم تاريكايا والأسماك الكبيرة التي تعيش في المياه العذبة. ومن أشهرها سمكة الأرابيما، التي تُعرف محليًا في بيرو باسم بايتشي. وتضم الغابات أنواعًا مختلفة من القرود والببغاوات الملونة وطيور المكاو وغيرها من الطيور. وتعتمد مشاهدة الحيوانات على الموسم والمسار، لذلك لا يمكن ضمان رؤية نوع محدد.
تؤدي غابات نخيل أغواخي دورًا خاصًا في النظام البيئي. فثمارها غذاء لكثير من الحيوانات، كما يستفيد منها السكان المحليون. وتوفر هذه الغابات الغذاء والمأوى للكيمن والأناكوندا والتابير وطيور المكاو وغيرها من كائنات المناطق المغمورة بالمياه. ويسهم الحفاظ عليها في حماية التنوع الحيوي وتخزين الكربون في النظم البيئية الاستوائية.
الأنهار والبحيرات والغابات المغمورة
تتمثل أبرز سمات باكايا ساميريا في المشهد المائي الذي يتغير باستمرار. فعندما يرتفع منسوب المياه، تستطيع القوارب عبور مناطق من الغابة تتحول في فترات انخفاض المياه إلى أرض جافة أو قنوات ضيقة. وتخلق المياه والأشجار وانعكاسات السحب مناظر استثنائية في هذا الجزء النائي من الأمازون.
يُعد حوض نهر ياناياكو بوكاتي إحدى المناطق السياحية المعروفة. تمر المسارات فيه عبر الغابات المغمورة والقنوات الصغيرة والبحيرات، وتتيح فرصًا لمراقبة الطيور والحيوانات الأخرى. ويمكن للزوار أيضًا استكشاف محيط مجتمع يارينا والتعرف على أسلوب الحياة المحلي.
تُعد بحيرة كوتشا إل دورادو، الواقعة في حوض ياناياكو بوكاتي، من أبرز المعالم أيضًا. فهي معروفة بمناظرها الطبيعية وإمكانية مشاهدة الطيور والكيمن، وبمبادرات الحفاظ على الطبيعة التي تقودها المجتمعات المحلية. ويشارك السكان في الإدارة المستدامة للموارد وحماية أنواع مثل سمكة بايتشي وسلحفاة تاريكايا.
ويستحق نهرا باكايا وساميريا الاستكشاف كذلك. تنتشر على ضفافهما الغابات والقنوات والبحيرات الصغيرة، وتعيش فيهما أنواع عديدة من الطيور. وبحسب الموسم، قد يشاهد الزوار القرود وطيور المكاو والطيور المائية والكيمن والدلافين النهرية. وتوجد مسارات أخرى، منها مسار تيبيلو باستوتشا، حيث ينتقل الزوار في قوارب صغيرة ويمكنهم السير على الطرق المصرح بها.
أهم الأنشطة والتجارب
أفضل طريقة لاكتشاف باكايا ساميريا هي التنقل بالقوارب عبر الأنهار والبحيرات. وتتيح الرحلات المائية مشاهدة الغابات المغمورة والطيور والبحث عن الحيوانات على الضفاف. وفي بعض المناطق تُنظم جولات مشيًا على المسارات المحددة، ورحلات ليلية لمراقبة الكيمن، وزيارات إلى التجمعات المحلية. وينبغي دائمًا مراقبة الحيوانات دون إزعاجها.
يزور مراقبو الطيور والمصورون المحمية لرؤية أنواع كثيرة، منها الغاق ومالك الحزين والببغاوات وطيور المكاو. وقد تتاح، بحسب المسار، فرصة مشاهدة الدلافين النهرية والقرود وغيرها من كائنات الغابات المطيرة. ويمكن للمهتمين بالسياحة البيئية التعرف على مشاريع مجتمعية تجمع بين حماية الطبيعة والاستخدام المستدام للموارد المحلية.
توفر الزيارة أيضًا فرصة للتعرف على ثقافات مجتمعات الأمازون. وتنظم بعض المجتمعات جولات تعريفية وتجارب للتعرف على الحرف اليدوية وشرح أساليب الإدارة التقليدية للموارد. ويشارك السكان في برامج الصيد المستدام وحماية السلاحف وإدارة الغابات، بما يدعم سبل العيش المحلية ويحافظ على البيئة.
كيفية الوصول إلى المحمية
يبدأ أحد المسارات الشائعة من مدينة إكيتوس، التي يصل إليها الزوار عادة بالطائرة من ليما. ومن إكيتوس تستغرق الرحلة البرية إلى بلدة ناوتا نحو ساعتين. بعد ذلك تستمر الرحلة عبر النهر باستخدام قارب بمحرك أو قارب سريع للوصول إلى المدخل المختار للمحمية. وتعتمد مدة الرحلة على القطاع ومستوى المياه ونوع القارب.
تشمل المناطق السياحية المعروفة حوض ياناياكو بوكاتي وبحيرة كوتشا إل دورادو ونهري باكايا وساميريا ومنطقة تيبيلو باستوتشا. ويمكن زيارة بعض المسارات في يوم واحد، بينما تتطلب مسارات أخرى عدة أيام ومبيتًا في نُزل بيئية أو مخيمات منظمة. وينبغي ترتيب النقل والإقامة والطعام والمرافقة مسبقًا عند التوجه إلى المناطق النائية.
يجب تنظيم الزيارات من خلال شركات سياحية أو مجموعات سياحية محلية معتمدة من هيئة المناطق المحمية في بيرو، المعروفة باسم SERNANP. وقبل السفر، تحقق من قواعد الدخول والرسوم وإمكانية الوصول إلى المسارات وشروط الإقامة.
أفضل وقت للزيارة
الفترة التي توصي بها الجهات الرسمية للزيارة هي من مايو إلى سبتمبر. المناخ حار ورطب، وتتراوح درجات الحرارة عادة بين 26 و35 درجة مئوية. ويمتد موسم الأمطار أساسًا من أكتوبر إلى أبريل، مع احتمال اختلاف الظروف من عام إلى آخر.
تؤثر التغيرات الموسمية في مستوى المياه على طبيعة الرحلة. ففي موسم ارتفاع المياه، يمكن للقوارب التوغل أكثر في الغابات المغمورة، ما يتيح مشاهدة مناظر مختلفة ويسهّل المرور في بعض الممرات المائية. وعندما ينخفض مستوى المياه، قد تتجمع بعض الحيوانات والطيور المائية قرب الأنهار والبحيرات، وتصبح بعض المواقع أسهل للمراقبة من الضفاف. ومع ذلك، قد تؤدي القنوات الضحلة إلى إطالة مدة التنقل.
نصائح للمسافرين
اصطحب ملابس خفيفة بأكمام طويلة وقبعة وواقيًا من الشمس وطاردًا للبعوض وأغلفة مقاومة للماء للأجهزة الإلكترونية وأحذية مريحة. ومن المفيد أيضًا إحضار منظار وكاميرا محمية من الرطوبة. يجب ارتداء سترة النجاة أثناء التنقل بالقوارب، والالتزام بالمسارات المسموح بها عند السير على اليابسة.
اتبع تعليمات حراس المحمية وسجّل دخولك في نقاط المراقبة وحافظ على مسافة آمنة من الحيوانات البرية. لا تقطف النباتات ولا تترك النفايات ولا تزعج الحيوانات أثناء التغذية أو التكاثر أو التنقل. تضع سلاحف تاريكايا بيضها على الشواطئ الرملية في أشهر معينة، ولذلك ينبغي توخي الحذر الشديد في تلك المناطق. كما تفرض المحمية قيودًا على استخدام البلاستيك أحادي الاستعمال.
الحفاظ على الطبيعة وأهمية المحمية
تحمي باكايا ساميريا مساحات شاسعة من غابات الأمازون والأراضي الرطبة والنظم البيئية النهرية. وتوفر هذه الموائل ملاذًا للأنواع المعرضة للخطر، وتحافظ على الدورات الطبيعية، وتساعد المجتمعات المحلية على مواصلة أنماط حياتها التقليدية. ويُعد الصيد المستدام وحماية السلاحف والاستخدام المسؤول لموارد الغابات من العناصر الأساسية لحماية المنطقة.
تُعد محمية باكايا ساميريا الوطنية وجهة مناسبة للمسافرين الراغبين في اكتشاف الأمازون بعيدًا عن المدن الكبرى، واستكشاف الغابات المغمورة ومراقبة الحياة البرية في موائلها الطبيعية. وتتطلب الزيارة احترام البيئة، لكنها تمنح في المقابل فرصة نادرة لفهم اتساع أحد أغنى النظم البيئية على كوكب الأرض وهشاشته.
معرض الصور

