وادي الملكات هو مقبرة أثرية قديمة تقع على الضفة الغربية لنهر النيل بالقرب من الأقصر. دُفنت فيه زوجات الفراعنة والأمراء والأميرات وغيرهم من أفراد الأسرة الملكية. يضم الموقع عشرات المقابر المحفورة في الصخور، والمزينة بمشاهد دينية ورسوم جدارية. وأشهرها مقبرة الملكة نفرتاري، زوجة رمسيس الثاني، التي تُعد من أبرز نماذج فنون الدفن في مصر القديمة.
تاريخ المقبرة
كان الموقع يُعرف في العصور القديمة باسم تا ست نفرو. ويختلف الباحثون في تفسير الاسم؛ فمن المعاني المقترحة «مكان الجمال» و«مكان أبناء الأسرة الملكية». بدأت عمليات الدفن هنا في عهد الأسرة الثامنة عشرة، نحو القرنين السادس عشر أو الخامس عشر قبل الميلاد، ثم ازداد استخدام الموقع في عهد الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين خلال الدولة الحديثة.
كان الفراعنة يُدفنون عادة في وادي الملوك، بينما خُصصت مقابر منفصلة لزوجاتهم وأبنائهم. حُفرت الحجرات في منحدرات الحجر الجيري وزُينت بمشاهد أسطورية وصور للآلهة ونصوص دينية تهدف إلى مساعدة المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر. كما يعكس موقع المقبرة في الصحراء على الضفة الغربية الاعتقاد المصري القديم بارتباط الغرب بالموت والتجدد.
مقبرة الملكة نفرتاري
أشهر معالم الوادي هي المقبرة QV66 التي تخص نفرتاري، الزوجة الملكية العظمى لرمسيس الثاني. اكتشفتها بعثة أثرية قادها عالم المصريات الإيطالي إرنستو شياباريللي عام 1904. وتتكون المقبرة من ممرات وسلالم وحجرة دفن ذات تصميم معقد، تغطي جدرانها رسوم ملونة زاهية.
تصور الرسوم نفرتاري أمام الآلهة وهي تؤدي طقوسًا مرتبطة بانتقالها إلى العالم الآخر. وتستند المشاهد إلى النصوص الدينية المصرية القديمة، بما في ذلك موضوعات من كتاب الموتى. وتظهر إيزيس وأوزيريس وأنوبيس وآلهة أخرى في الرحلة الرمزية للملكة نحو الحياة الأبدية. وتتميز اللوحات بدقة الخطوط وتناسق الألوان ووضوح كثير من التفاصيل.
كانت نفرتاري من أبرز زوجات رمسيس الثاني. ويظهر اسمها وصورها على آثار من عهده، بما في ذلك معابد أبو سمبل. وتعكس الزخارف الاستثنائية لمقبرتها مكانتها الرفيعة والأهمية التي أولتها الحضارة المصرية للاستعداد للحياة بعد الموت.
مقابر أخرى
إلى جانب مقبرة نفرتاري، يضم الوادي مدافن لأ��ناء الأسرة الملكية وأفراد آخرين من الأسرة الرعامسية. ومن المقابر المعروفة المقبرة QV55 الخاصة بالأمير آمون حر خبشف، ابن رمسيس الثالث. وتكشف رسومها ومشاهدها الجنائزية عن المعتقدات الدينية في الدولة الحديثة. كما تحتفظ مقابر أخرى بصور للآلهة ومواكب الطقوس ومشاهد مرتبطة برحلة المتوفى.
تختلف حالة الحفظ من مقبرة إلى أخرى. فقد تعرض بعضها للنهب في العصور القديمة أو تضرر بسبب الرطوبة والأملاح، بينما لم يبق من مقابر أخرى سوى أجزاء من الرسوم وبقايا معمارية. وتساعد الدراسات الأثرية على تحديد أصحاب المقابر وإعادة بناء تاريخ الموقع وفهم تطور عادات الدفن.
المعنى الديني للرسوم
لم ينظر المصريون القدماء إلى المقبرة بوصفها مكانًا للدفن فقط، بل باعتبارها فضاءً للانتقال إلى عالم آخر. وكان الهدف من الصور والنصوص المقدسة مساعدة المتوفى على تجاوز الأخطار ونيل حماية الآلهة والوصول إلى الحياة الأبدية. لذلك تتمتع رسوم وادي الملكات بقيمة فنية ودينية في آن واحد.
وتكتسب المشاهد المرتبطة بمحاكمة أوزيريس ودورة الشمس ورحلة الروح أهمية خاصة. فقد خضعت الألوان والإيماءات والرموز وترتيب الشخصيات لقواعد محددة. وتقدم هذه الأعمال معلومات مهمة عن معتقدات الدولة الحديثة وطقوسها وتقاليدها الفنية.
التراث العالمي لليونسكو
يشكل وادي الملكات جزءًا من المشهد الأثري الواسع لطيبة القديمة، الذي يضم أيضًا وادي الملوك ومعبد حتشبسوت والرامسيوم وغيرها من آثار الضفة الغربية للنيل. وفي عام 1979 أُدرجت هذه المنطقة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو تحت اسم «طيبة القديمة ومقبرتها».
تتطلب حماية المقابر عناية خاصة. فتغير درجات الحرارة والرطوبة والأملاح وثاني أكسيد الكربون الناتج عن تنفس الزوار قد يؤدي إلى تلف الرسوم القديمة تدريجيًا. ولهذا قد يخضع الدخول إلى بعض الحجرات للقيود أو التنظيم، بينما يراقب المختصون حالة الجدران باستمرار.
زيارة وادي الملكات
تقع المقبرة على الضفة الغربية للنيل بالقرب من الأقصر، وغالبًا ما تُزار ضمن رحلة تشمل وادي الملوك ومعبد حتشبسوت ومواقع أثرية أخرى. يُنصح بالتحقق مسبقًا من المقابر المفتوحة، إذ قد تتغير إمكانية الدخول بسبب أعمال الترميم والحفظ.
تشتهر مقبرة نفرتاري برسومها الزاهية، لكن شروط زيارتها ورسوم الدخول إليها قد تختلف عن التذكرة العادية للمقبرة. ينبغي الالتزام بقواعد حماية الآثار وعدم لمس الجدران وتجنب التصوير بالفلاش عندما يكون ممنوعًا. ويقدم وادي الملكات صورة مهمة عن طقوس الدفن الملكية ودور النساء في الأسرة الحاكمة والثقافة الدينية في مصر الفرعونية.
معرض الصور

