يُعد نصب يوهان شتراوس الابن أحد أشهر معالم فيينا ورمزًا للثقافة الموسيقية النمساوية. يقع التمثال البرونزي المذهّب للمؤلف الموسيقي في حديقة شتاتبارك، وسط المسطحات الخضراء وأحواض الزهور الموسمية. وقد جعل تصميمه اللافت وبريقه الذهبي منه مكانًا مفضّلًا للتنزه والتصوير والتعرف إلى تاريخ الفالس الفيينّي.
يُعرف يوهان شتراوس الابن غالبًا بلقب ملك الفالس. وقد اكتسبت مؤلفاته شهرة عالمية، وأصبحت مقطوعة «الدانوب الأزرق» واحدة من أبرز الرموز الموسيقية للنمسا. ويخلّد النصب ذكرى مؤلف لا تزال ألحانه تُعزف في قاعات الحفلات والمسارح وتُستخدم في الأفلام حول العالم.
تاريخ إنشاء نصب شتراوس
بعد وفاة يوهان شتراوس الابن عام 1899، ظهرت في فيينا فكرة إقامة نصب خاص لتخليد ذكراه. وشُكّلت لجنة لتنظيم جمع الأموال واختيار التصميم الفني. وجُمعت التبرعات من خلال الحفلات الموسيقية ومساهمات محبي موسيقى شتراوس.
أُقيمت مسابقة للتصميم عام 1906، وفاز بها النحات النمساوي إدموند فون هيلمر. واختيرت حديقة شتاتبارك، التي يرتادها السكان والزوار، موقعًا للنصب. وافتُتح عام 1921، وسرعان ما أصبح أحد المعالم المعروفة في فيينا ورمزًا مهمًا لتراثها الموسيقي.
كان اختيار الحديقة مناسبًا، إذ يمكن مشاهدة النصب أثناء نزهة عادية من دون الحاجة إلى دخول متحف أو قاعة حفلات. وتحيط به الأشجار والمسطحات الخضراء وأحواض الزهور، ما يمنح التكوين طابعًا مهيبًا مع الحفاظ على انفتاح المكان وسهولة الوصول إليه.
وصف النصب وتكوينه الفني
يتوسط التكوين تمثال برونزي مذهّب ليوهان شتراوس الابن وهو يحمل كمانًا. وقد صوّره النحات أثناء العزف، مع إبراز الحركة والتعبير الفني. ويبرز السطح الذهبي أمام الرخام الفاتح وخضرة الحديقة، ما يجعل التمثال واضحًا حتى من مسافة بعيدة.
يحيط بالتمثال قوس من الرخام الأبيض يشبه ستارة مسرح أو قاعة حفلات. وتعزز العناصر الزخرفية الموضوع الموسيقي؛ إذ تمنح أشكال الراقصين والشخصيات الأسطورية إحساسًا بالحركة، وكأن إيقاع الفالس ينبض في الحجر والمعدن.
يُعد النصب مثالًا مميزًا للنحت التذكاري في فيينا خلال أوائل القرن العشرين. فهو يجمع بين صورة مؤلف موسيقي شهير وعمارة زخرفية وتفاصيل رمزية مرتبطة بالرقص والموسيقى. ولهذا يجذب محبي شتراوس وكذلك المهتمين بالنحت والعمارة الحضرية.
التذهيب والترميم
تغير مظهر النصب عدة مرات عبر تاريخه. ففي عام 1935، غُطي السطح المذهّب بطبقة من الطلاء الأسود، ما أفقد التمثال بريقه الذهبي المعروف. وفي تسعينيات القرن العشرين، أُعيد تذهيب التمثال واستعاد مظهره المألوف لدى الزوار.
أُجريت أعمال ترميم واسعة عام 2011، شملت تجديد الطبقة الذهبية على التمثال البرونزي وتنظيف الأجزاء الرخامية. وتحتاج هذه العناصر إلى الصيانة بسبب الأمطار وتغير درجات الحرارة وتلوث الهواء. وقد ساعد الترميم على الحفاظ على التفاصيل التعبيرية والمظهر المميز للمجموعة النحتية.
يوهان شتراوس الابن، ملك الفالس الفيينّي
وُلد يوهان بابتيست شتراوس الابن في فيينا عام 1825 ضمن عائلة موسيقية. ولم يكن والده يوهان شتراوس الأب يرغب في أن يصبح ابنه موسيقيًا محترفًا، بل كان يفضّل له مسارًا مهنيًا أكثر عملية. ومع ذلك، تعلم الابن العزف على الكمان سرًا وواصل دراسته الموسيقية رغم الخلافات العائلية.
في عام 1844، ظهر شتراوس الابن لأول مرة قائدًا للأوركسترا وأسّس فرقته الخاصة. وأصبح لاحقًا أحد أبرز ممثلي موسيقى الرقص الفيينّية. وبعد وفاة والده عام 1849، جمع الفرق الموسيقية ووسّع نشاطه في إقامة الحفلات. وأسهمت عروضه وجولاته في شهرته خارج النمسا.
ألّف شتراوس عددًا كبيرًا من الفالس والبولكا والرقصات الجماعية وغيرها من المقطوعات الراقصة. ومن أشهر أعماله «الدانوب الأزرق» و«حكايات من غابات فيينا» و«فالس الإمبراطور» والأوبريت الخفاش. وأصبحت موسيقاه جزءًا أساسيًا من صورة فيينا بوصفها مدينة الحفلات الراقصة والأوركسترات والتقاليد الموسيقية الأنيقة.
تحتل مقطوعة «الدانوب الأزرق»، التي كُتبت في القرن التاسع عشر، مكانة خاصة في إرثه الموسيقي. وترتبط اليوم ارتباطًا وثيقًا بالنمسا وحفل فيينا الموسيقي للعام الجديد. ولا تزال الأوركسترات المحترفة في أنحاء العالم تعزف أعماله، التي بقيت من أبرز الرموز الثقافية للنمسا.
أين يقع نصب شتراوس؟
يقع النصب في حديقة شتاتبارك، وهي حديقة عامة في وسط فيينا بالقرب من شارع رينغشتراسه. وتشتهر الحديقة بممراتها الخضراء وأحواض الزهور والنصب المخصصة للموسيقيين وشخصيات بارزة أخرى. ويمكن الجمع بسهولة بين زيارة تمثال شتراوس والتنزه في الحديقة ومشاهدة المنحوتات الأخرى.
يبدو التمثال المذهّب أكثر تألقًا أمام الخضرة خلال الأشهر الدافئة، حين تتفتح الزهور الموسمية حوله. وفي الأيام المشمسة ينعكس الضوء على البرونز ويمنحه لونه الذهبي المميز. وغالبًا ما تكون ساعات الصباح وأيام العمل أنسب لالتقاط الصور بعيدًا عن الازدحام.
كيفية الوصول إلى نصب شتراوس
يمكن الوصول بسهولة إلى حديقة شتاتبارك بوسائل النقل العام. وأقرب محطة مترو هي شتاتبارك على الخط U4، ومنها يمكن الوصول إلى النصب سيرًا على الأقدام خلال بضع دقائق. كما تمر في المنطقة خطوط ترام وحافلات؛ ويُفضّل التحقق من المحطات والمواعيد المحدّثة على خريطة النقل الرسمية في فيينا قبل الانطلاق.
يقع النصب داخل حديقة عامة مفتوحة، لذلك لا يحتاج الزائر إلى تذكرة خاصة لمشاهدته. ويمكن إدراجه ضمن جولة مشي في وسط فيينا، مع زيارة شارع رينغشتراسه وقاعات الحفلات وغيرها من الأماكن المرتبطة بتاريخ الموسيقى في العاصمة النمساوية.
ليس نصب يوهان شتراوس الابن مجرد موقع شهير للتصوير، بل هو تذكير بالتقاليد الموسيقية التي جعلت فيينا معروفة في أنحاء العالم. ويجعل التمثال الذهبي والإطار الرخامي وصلته بتاريخ الفالس منه محطة مميزة خلال زيارة المدينة.
معرض الصور

